الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
210
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء ( 1 ) . ومن أجل أن لا يسأل موسى : أليس لكما أب ؟ ولماذا رضي بارسال بناته للسقي مكانه ، أضافتا مكملتين كلامهما وأبونا شيخ كبير فلا هو يستطيع أن يسقي الأغنام ، وليس عندنا أخ يعينه على الأمر فلا حيلة لنا إلا أن نؤدي نحن هذا الدور . فتأثر موسى ( عليه السلام ) من سماعه حديثهما بشدة . فأي أناس هؤلاء لا ينصفون المظلوم ، ولا هم لهم غير أنفسهم . فتقدم وأخذ الدلو وألقاها في البئر . . يقال : إن هذه الدلو كان يجتمع عليها عدة نفر ليخرجوها بعد امتلائها من الماء ، إلا أن موسى ( عليه السلام ) استخرجها بقوته وشكيمته وهمته بنفسه دون أن يعينه أحد فسقى لهما أغنامهما . ويقال : إن موسى ( عليه السلام ) حين اقترب من البئر لام الرعاء ، قال : أي أناس أنتم لا هم لكم إلا أنفسكم ! وهاتان البنتان جالستان ؟ ! ففسحوا له المجال وقالوا له : هلم واملأ الدلو ، وكانوا يعلمون أن هذه الدلو حين تمتلئ لا يستخرجها إلا عشرة أنفار من البئر . ولكن موسى ( عليه السلام ) بالرغم من تعب السير في الطريق والجوع ملأ الدلو وسحبها بنفسه وسقى أغنام المرأتان جميعها . . ثم تولى إلى الظل وقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير . أجل . . إنه متعب وجائع ، ولا أحد يعرفه في هذه المدينة ، فهو غريب ، وفي الوقت ذاته كان مؤدبا وإذا دعا الله فلا يقول : رب إني أريد كذا وكذا ، بل يقول : رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير أي إنه يكشف عن حاجته فحسب ، ويترك الباقي إلى لطف الله سبحانه . لكن هلم إلى العمل الصالح ، فكم له من أثر محمود ! وكم له من بركات
--> 1 - " يصدر " مأخوذ من مادة " صدر " ومعناه الخروج من الماء ، " والرعاء " جمع راع ، وهو سائس الغنم .